الحكيم الترمذي

49

غور الأمور

ورضيت بما أحل اللّه لها ، ومتى كانت الغلبة لها كانت منقادة منهوكة في الحرام . رجعنا إلى ما كنا فيه من التحليل . فأيد اللّه النفس الظاهرة بما أحل حتى حلها من وثاق الهوى وخلصها ، وسجنها ، وأخرجها من رقها . فقال : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ « 1 » ، وقال : وكلوا مما في الأرض حلالا طيبا « 2 » ، ثم قال على فوره وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ « 3 » ثم بين سبب النهى فقال إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ « 4 » . فأعلم أن خطوات الشيطان هي التي تأمرك بالسوء والفحشاء ، وهي نفسك الباطنة . حتى تشتهى فأطعمها الحلال . فإن اللّه أحل وحرم فمتى انتهى عن الحرام أبدل مكانه الحلال . وقال خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً « 5 » ، أي لم يكن لي فيما خلقت حاجة إنما خلقتها من أجلكم ، فخذوها من وجهة ما أحللت . فقد جعلت الحلال بينا والحرام بينا وما حرمت إلا الخبائث ، والفواحش ، وما لا لذة فيه ، وما أحللت إلا الطيب واللذيذ ، ثم قال : كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً « 6 » .

--> ( 1 ) سورة الأعراف : آية ( 2 ) سورة البقرة : أية 168 . ( 3 ) سورة البقرة : آية 168 . ( 4 ) سورة البقرة : آية 168 . والمقصود بخطوات الشيطان في الآية الكريمة هي كل معصية للّه تعالى ، وقال عكرمة ، هي نزعانت الشيطان ، وقال أبو مجلز هي النذور في المعاصي . ( 5 ) سورة البقرة آية : 29 . فنص الآية الكريمة هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً . . . ( 6 ) سورة المؤمنون : آية 51 . ونص الآية الكريمة يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ .